" ولاده جديده " ( 10 )
وبينما كان الضوء ينساب حولهما كأنفاس كائنٍ عظيم يستيقظ، بدأ الممر يتشكل أكثر… لم يعد مجرد شرارات، بل خيوط من طاقة حيّة تتفاعل مع نبضهما، تتلوّن كلما تقدما خطوة.
كانت الخطوة الأولى خفيفة… الثانية أثقل بقليل، أما الثالثة فغيّرت كل شيء.
فجأة، انفتح الضوء أمامهما على فضاء واسع لا يمكن وصفه. لم يكن سماء ولا أرضًا، بل دائرة كاملة من احتمالات بلا حدود. أشكال طافية تلمع كنجوم، وجزر من الذاكرة تتبدل مثل لوحات مائية تتحرك ببطء.
سمع يوسف صوتًا عميقًا، ليس من الخارج… بل من داخله: "هذا هو فضاء الحقيقة… هنا، لا يُختبر الجسد، بل الروح."
شعرت ريم بذبذبة تمر عبر كفها… حرارة لطيفة، تلتف حول قلبها ثم تتسع. نظرت إلى يدها فرأتها تتوهج بخطوط ذهبية، كل خط يروي ذكرى أو مهارة أو جزءًا من ذاتها كانت قد نسيته.
قالت بصوتٍ خافت، مندهشة: "يوسف… انظر."
رفع يوسف يده، فوجد خطوطًا مماثلة، لكنها لم تكن ذهبية… بل زرقاء داكنة، كضوء البحر في منتصف الليل. نبضت الخطوط، وفجأة ظهرت أمامه صورة لنفسه، ليست انعكاسًا… بل نسخة أخرى. نسخة أكثر هدوءًا، أكثر ثقة، وكأنها تمثل كل ما يمكن أن يكون عليه.
اقترب منه الصوت الداخلي مرة أخرى: "لكلٍّ منكما نسخته الكاملة… لكنها ليست هدية. إنها إمكان… لا يتحقق إلا بالفعل."
تقدمت ريم خطوة، فبدأ الضوء من حولها يلتف كدوامة صغيرة، يصنع أمامها بابًا جديدًا، بابًا مصنوعًا من ذكرياتها ونقاط قوتها ولحظات ضعفها التي تحولت إلى حكمة.
يوسف كذلك رأى بابًا، لكنه كان مختلفًا… يبدو كطريق طويل، مرسوم على شكل موجة ترتفع وتنخفض، وكأنها تقول له:
"قوتك ليست في الثبات… بل في القدرة على النهوض كل مرة."
تبادلا النظرات.
قال يوسف، وصوته يحمل مزيجًا من الخوف والحماس: "يبدو أننا… سنكمل كلٌ بطريقه؟"
هزّت ريم رأسها بثقة هادئة: "ربما… لكن الطريقين سيصبّان في نفس النهاية. المهم… أننا بدأنا معًا."
لم يفترقا بعد. لكن البوابات بدأت تبتعد قليلًا، وكأن الفضاء نفسه يدعو كلًّا منهما لاختبار فردي لا يمكن لأحد غيره أن يخوضه.
قبل أن تنفصل أيديهما، همس يوسف: "نلتقي هناك… في النهاية."
ابتسمت ريم، ورفعت يدها نحو صدره، لمسة خفيفة لكنها حملت قوة: "سنلتقي… ليس لأن الطريق يعد بذلك… بل لأننا نختار ذلك."
توهجت البوابتان.
وانفتح الفضاء.
وانطلقت الرحلتان…
رحلة ريم نحو عمق ذاتها النورانية،
ورحلة يوسف نحو مواجهة أمواجه الداخلية.
وبينهما… خيط ضوئي واحد ظلّ متصلًا، كأن القدر نفسه يرسم لهما طريقًا مشتركًا مهما ابتعدا.
هذه لم تكن نهاية البوابة…
بل بداية العالم الذي سيكشف لهما من يكونان حقًا.